أشار المدير العام للأمن العام اللواء حسن شقير، في النشرة التوجيهية بمناسبة العيد الـ18 للأمن العام، إلى أنّ "الذكرى الـ18 لتأسيس الأمن العام اللبناني، تحلّ فنقف أمامها كمناسبة وطنية ومؤسساتية نستعيد فيها مسيرة طويلة من العطاء والتضحيات، ونستحضر أمانة المسؤولية التي حملها الأمن العام على امتداد عقود، في ظروف لم تكن في أي مرحلة سهلة على لبنان".
وقال إنّ "العيد هو مناسبة لمراجعة ما أنجزناه، وتقييم ما حققناه، وتحديد ما يتوجب علينا إنجازه في المرحلة المقبلة، لأن قيمة المؤسسات لا تقاس بتاريخها وحده، بل بقدرتها على التطور ومواكبة حاجات وطنها".
وأضاف شقير: "أتوجه إليكم جميعاً، ضباطاً ورتباء وأفراداً وعسكريين وموظفين، بأصدق التهاني، وأحيي ما تبذلونه من جهود وتضحيات في مختلف مواقع الخدمة، كما أحيي عائلات شهداء الأمن العام الذين دفعوا أغلى الأثمان دفاعاً عن الدولة وأمنها، والمتقاعدين الذين أمضوا سنوات من أعمارهم في خدمة المؤسسة. إننا نحتفل أولاً برجال المؤسسة ونسائها، لأن المؤسسات لا تقوم بالمباني والتجهيزات والأنظمة وحدها، بل بالإنسان الذي يؤمن برسالتها ويؤدي واجبه ويضع المصلحة الوطنية فوق كل اعتبار".
وتابع: "لقد كان الأمن العام دائماً في قلب الدولة اللبنانية، وتزداد اليوم مسؤولياته اتساعاً وتعقيداً مع تغير طبيعة المخاطر، التي لم تعد محصورة بالتهديد العسكري المباشر، بل تشمل الإرهاب والجريمة المنظمة والتهريب والجرائم العابرة للحدود والهجرة غير الشرعية والجرائم الإلكترونية وتزوير الوثائق والتحديات المرتبطة بحركة الأشخاص والمعلومات، فضلاً عن الأزمات التي تنعكس على حياة المواطنين وعمل المؤسسات".
وأوضح شقير، أنّ "الأمن العام يقع في مساحة دقيقة تتداخل فيها مقتضيات الأمن والسيادة والإدارة والخدمة العامة. فهو معني بالملفات الأمنية التي تدخل في اختصاصه، ومراقبة حركة الأشخاص عبر الحدود والمعابر، وشؤون الإقامات والسمات ووثائق السفر، ومواكبة الملفات المرتبطة بالأجانب والعمالة الأجنبية، والتنسيق مع القضاء والجيش وسائر الأجهزة والمؤسسات، إلى جانب المسؤوليات في المطار والمرافئ والمعابر البرية. ولذلك لا يمكن اختزال دوره في العمل الأمني التقليدي، كما لا يمكن فصل الخدمات الإدارية عن وظيفته السيادية".
ولفت إلى أنّه "من هنا، فإن الإنجاز الحقيقي هو في الجمع بين الأمن والخدمة، والحزم والمرونة، وتطبيق القانون واحترام الإنسان. فالمواطن الذي يقصد مركزاً للأمن العام يجب أن يرى الدولة في أفضل صورها؛ قانوناً واضحاً، وإجراءً منظماً، وسرعة في الإنجاز، وتعاطياً محترماً ومساواة في تطبيق القواعد. وفي المقابل، فإن الأمن العام على الحدود البرية والبحرية أو في المطار يدرك أن موقعه هو نقطة سيادة، وأن دقة إجراءاته جزء من منظومة أوسع لمكافحة التهريب والجريمة المنظمة والإرهاب والاتجار بالبشر وسائر المخاطر العابرة للحدود".
وذكر أنّه "قد شهدت المديرية ورشة لتطوير الخدمات وتحديث الإدارة ومواكبة المتطلبات الحديثة، وسيستمر هذا المسار ويتوسع. فالتحول الرقمي ليس اختصاراً للورق والوقت فقط، بل إعادة بناء لطرق العمل، وتحسين للتدقيق والتوثيق وحماية المعلومات وربط قواعد البيانات وتسريع القرار. لذلك يجب أن تصبح التكنولوجيا جزءاً من ثقافة المؤسسة اليومية، بالتوازن مع تبسيط الإجراءات وتطوير الخدمات الإلكترونية وقنوات التواصل مع المواطنين".
وقال شقير: "يبقى العنصر البشري أساس كل تطوير. فلا يمكن بناء أمن حديث بعقلية قديمة، أو مواجهة جرائم معقدة بأدوات محدودة. ولذلك يجب أن يتحول التدريب والتأهيل المستمران إلى ثقافة مؤسساتية تشمل الجميع، كل وفق اختصاصه ومسؤولياته، مع تعزيز التعاون الأكاديمي والتقني والاستفادة من الجامعات والخبرات المتخصصة، وتحويل الشراكات إلى برامج تدريب وبحث وتطوير تساعدنا على فهم المخاطر الجديدة ومواجهتها. كما أن العلاقة مع القضاء وسائر المؤسسات الأمنية والعسكرية، هي علاقة تكامل مؤسساتي. إن احترام القانون يبدأ من المؤسسة التي تطبقه، وسلامة الإجراءات الأمنية جزء من سلامة العدالة. وعلى كل ضابط ورتيب وعسكري أن يدرك أن القوة التي يمنحها القانون تقابلها مسؤولية، وأن أي تجاوز أو تعسف أو تقصير يسيء إلى المؤسسة بأكملها".
وأشار إلى أنّ "في مجال الحدود، يجب أن يبقى تطوير المعابر وتحسين أدائها ومواكبة حركة المواطنين والأجانب أولوية دائمة، فالحدود هي إحدى أبرز واجهات السيادة. والمطلوب الانتقال تدريجياً من إدارة المعابر إلى إدارة متكاملة للحدود، تقوم على المعلومات والربط والتنسيق والتدقيق والاستباق، مع الجمع بين مقتضيات الأمن وحاجات المواطنين والاعتبارات الإنسانية".
وأضاف: "أما أمنياً، فعلينا تعزيز القدرة على جمع المعلومات وتحليلها وربطها بالقرار، ومواكبة تطور الجريمة المنظمة والتهريب والجرائم المالية والإلكترونية وتزوير الوثائق واستعمال التكنولوجيا في ارتكاب الجرائم. المؤسسة التي تنتظر وقوع الخطر حتى تتحرك تكون قد خسرت جزءاً من المعركة، أما المؤسسة القادرة على اكتشاف المؤشرات المبكرة وتحليلها فتكون أكثر قدرة على حماية الوطن".
وتابع شقير: "يكتسب التعاون الأمني الخارجي أهمية متزايدة، لأن الإرهاب والتهريب والجريمة المنظمة والهجرة غير الشرعية تتجاوز الحدود. وقد عزز الأمن العام علاقاته مع الدول العربية الشقيقة والأجنبية الصديقة والمنظمات الدولية، في مكافحة الإرهاب والتهريب والجريمة المنظمة وتبادل المعلومات. كما يجب أن يستمر الانفتاح الدولي ضمن رؤية وطنية واضحة، بما يخدم لبنان وأمنه وسيادته، من دون أن يكون بديلاً عن القرار الوطني أو مرجعية الدولة".
وتوجه اللواء شقير للعسكريين بالقول: "نؤدي واجبنا في مرحلة شديدة الحساسية. فقد تركت الحرب والاعتداءات الإسرائيلية آثاراً عميقة على الجنوب وكل لبنان وعلى الاقتصاد والمجتمع، ولا تزال قضية الاحتلال للأجزاء اللبنانية واستمرار الاعتداءات والخروقات في صلب التحديات الوطنية. وفي مواجهة ذلك، تعمل الدولة اللبنانية على تثبيت وقف نهائي لإطلاق النار واستعادة سيادتها الكاملة بالوسائل السياسية والدبلوماسية والقانونية، بما يحفظ حقوق لبنان ويمنع تحويل أرضه إلى ساحة مفتوحة للصراعات".
وأوضح أنّ "في هذا المسار، تبرز أهمية وحدة الموقف الرسمي وتكامل عمل السلطات الدستورية، وعلى رأسها رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون، بالتنسيق والتعاون مع رئيس مجلس النواب نبيه بري ورئيس مجلس الوزراء نواف سلام، بما يخدم هدف التثبيت النهائي والمستدام لوقف إطلاق النار وإنهاء الاحتلال واستعادة السيادة. ودور الأمن العام في هذا المسار هو دور مؤسساتي يقوم على حماية الاستقرار، تنفيذ القوانين والقرارات الرسمية، متابعة الملفات الداخلة ضمن اختصاصه، ومنع الفوضى ومنع كل ما يهدد السلم الأهلي".
وشدد على أنّ "إنهاء الاحتلال لا ينفصل عن تثبيت الدولة. وكلما كانت مؤسساتها قوية ومتماسكة وقادرة على القيام بواجباتها، كان لبنان أقوى في الدفاع عن حقوقه. وكل مهمة ننجزها وفق الأصول، وكل معلومة صحيحة نتابعها، وكل مخالفة نمنعها، وكل تهريب نكشفه، وكل مواطن نحترم كرامته، وكل إجراء أمني ننفذه وفق القانون، هو جزء من بناء الدولة وتثبيت حضورها".
وقال: "أمام هذه المسؤوليات، أطلب منكم الالتزام الكامل بالدستور والقوانين والأنظمة والتعليمات، والحفاظ على سرية المعلومات والملفات، وتعزيز التنسيق مع الجيش والقوى الأمنية والقضاء والإدارات المختصة، والتشدد في مكافحة الفساد والمحسوبيات واستغلال النفوذ، واعتماد الكفاءة والانضباط في تقييم الأداء، وتفعيل الرقابة الداخلية".
كما شدد شقير على "رفع الجهوزية على الحدود والمعابر والمطار والمرافئ، والدقة في التدقيق بالوثائق وحركة الأشخاص، بالتوازي مع سرعة إنجاز معاملات المواطنين وتطوير الخدمات الإلكترونية وأمن المعلومات. وأدعوكم إلى مواصلة التعلم والتدريب، والاستفادة من التكنولوجيا والعلوم والخبرات الحديثة، لأن الجريمة تتغير، ووسائل التهديد تتطور، ومن لا يتعلم باستمرار يفقد القدرة على مواجهتها".
وطلب "من الذين يتولّون الوظائف الأساسية أن يكونوا قدوة في الانضباط والسلوك والأخلاق، وأن يستمعوا إلى مرؤوسيهم ويتابعوا أوضاعهم ويكافئوا المجتهد ويحاسبوا المقصر ويحموا المؤسسة من كل سلوك يسيء إليها. كما أطلب أن يبقى المواطن في صلب عملنا، وأن نجعل من الاحترام والدقة والسرعة والنزاهة قواعد ثابتة في كل مركز ومكتب ووحدة".
وقال اللواء شقير، إنّ "الأمن العام الذي نريده في عامه الحادي والثمانين هو أمن قوي وحديث ومؤهل، متصل بمؤسسات الدولة، منفتح على العلم والتكنولوجيا، حاضر على الحدود والمعابر، فاعل في مكافحة الجريمة، قادر على إنتاج المعلومة وتحليلها، ومحترف في التعاون الدولي، وفي الوقت نفسه قريب من المواطن ويحترم حقوقه وكرامته ويضع القانون فوق الجميع".
ولفت إلى أنّ "في عيد الأمن العام الحادي والثمانين، أجدد ثقتي بكم، وأضع أمامكم أمانة المرحلة المقبلة؛ احموا المؤسسة، واحفظوا القانون، صونوا سرية العمل، احترموا المواطن، التزموا الحياد المؤسساتي، طوروا قدراتكم، تعاونوا مع شركائكم في الدولة، كونوا يقظين على الحدود، صارمين في مواجهة الجريمة، عادلين في تطبيق القانون، وحاضرين دائماً حيث تكون مصلحة لبنان".
وختم شقير: "كل عام وأنتم بخير، وكل عام والأمن العام أكثر قوة ومهنية وحداثة، ولبنان أكثر أمناً واستقراراً وسيادة. الرحمة لشهدائنا، والتقدير لعائلاتهم، والوفاء لمن سبقونا، والتحية لكل من يواصل أداء واجبه بصمت وإخلاص. حفظ الله لبنان ومؤسساته الشرعية، وأعاننا جميعاً على حمل الأمانة وأداء الواجب".